د. احمد براك - استاذ القانون الجنائي ورئيس هيئة مكافحة الفساد

يسعدني أن أرحب بكم في موقعي الشخصي، آملاً من الله تعالى أن يكون هذا الموقع مصدراً من مصادر الحصول على المعلومات القانونية من تشريعات فلسطينية وعربية، ورسائل ماجستير ودكتوراه، إضافة للمقالات العلمية في مختلف فروع القانون. وليكون أيضاً وسيلة للتواصل ما بيني وبين الباحثين والقانونيين، والذين أعدهم شركاء حقيقيين في عملية تعزيز الثقافة القانونية.

نظام الوساطة الجنائية وقضاؤنا العشائري

 الدكتور: أحمد براك

 

بالرغم من تطور  القانون الوضعي  وانتشاره وتشعبه، إلا ان القواعد العرفية ما زالت تحكم  الحياة الإجتماعية  في العديد من المناطق المختلفة في العالم؛ كالصين،  واليابان، وإفريقيا،  وحين النظر للمناطق العشائرية في المحيط العربي نجد  أنه مازال هذا القانون  الجنائي العرفي سائداً سواء في مصر، والعراق،  وفلسطين، والأردن، وسوريا...  الخ، ومازال يحظى باحترام كبير يجعل قواعده  تتمتع بنفوز وتأثير بالغين على  الحياة الإجتماعية، وبخاصة فيما يتعلق  بجرائم الدم، حيث نجد أن المشايخ أو  الوجهاء أو الوسطاء لدى العشيرة  يتوصلون بعد مفاوضات وعادات معروفة إلى  اقناع اسرة القتيل بالصلح وايقاف  الاعمال العدوانية وتسوية الامر بين  الفريقين تبعاً لقواعد العرف والعادات  فيأخذ أهل القتيل تعويضاً عن الجناية  وتنتهي الخصومة بين الطرفين، ويسود  السلام الإجتماعي، وكأن شيء لم يحدث،  وبالرغم من المحاولات المتكررة  للحكومات العربية لإخضاع المجتمعات  العشائرية للقانون الوضعي السائد في  تلك الدول، لكنها لم تفلح في جعل تلك  المجتمعات يتركون أعرافهم وتقاليدهم  المتعلقة بحل النزاعات التي تنشأ  بينهم، وقد تدخل المشرع في تلك الدول  بإلغاء القواعد العرفية السائدة في  المجتمعات العشائرية وإخضاع هذه  العشائر لجميع القوانين والقرارات والأنظمة  السائدة في الدولة، ولقد  اعترفت الحكومات العربية منذ القرن الماضي بتلك  القواعد العرفية، حيث تخضع  المجتمعات العشائرية في منازعاتهم لقواعد خاصة  مستمدة من العرف والتقاليد  أهمها: حق الدم، حق الدخيل، وحق الجار، وحق  الضيف، والدية ... الخ  وغيرها. فنجد أن الحكومة الأردنية تدخلت في إصدار  قوانين لتقنين هذه  العادات والأعراف لربطهم بالدولة، بداية من قانون محاكم  العشائر لسنة  1924، وانتهاءً بقانون توحيد مجلس شيوخ العشائر للعادات  العشائرية عام  1973، وما لبثت في عام 1976. أن الغت القوانين العشائرية  بموجب القانون  المؤقت رقم 34 لسنة 1976، وفي سوريا اعترفت الحكومة السورية  في وقت مبكر  ببعض العادات والتقاليد السائدة في البادية السورية، والمتعلقة  بالجرائم  والعقوبات فقد أصدر المفوض الفرنسي القرار رقم 2661، بتاريخ 11  تموز 1929،  والمتعلق بمنع الغزو حيث جاء في مادته الثانية أن: ( الجرائم  والجنح  المرتكبة بين أفراد القبائل الرحل يجب تسويتها بحسب العادات  المعروفة)،  وبموجب المرسوم التشريعي رقم 124، لسنة 1953، والمتضمن قانون  العشائر؛  اعترف المشرع السوري بالقواعد العشائرية المقررة لحل النزاعات  الجنائية،  ولقد ألغى معظم القواعد العرفية للمجتمعات العشائرية بموجب  القانون رقم  31، لسنة 1956، ثم القانون الصادر، في سنة 1958، وما تبقى من  النظام  العشائري المبنى على نظام قواعد القانون الجنائي العرفي.

 


وهكذا الحال في مصر تم التوسيع في نطاق  تجربة المجالس العرفية في محافظة  سيناء وسيوه بداية من خلال ديكريتو  خديوي صدر في 25 مايو سنة 1897، ثم  القانون رقم 15 لسنة 1911، بشأن ترتيب  النظام الإداري والقضائي لمحافظة  سينا، ثم قانون الصحراء سنة 1917 وطبقاً  لهذا القانون أنشئت المحاكم  التالية: المحاكم الجزائية، والمحاكم  المخصوصة، والمحاكم العليا حيث إن هذه  المحاكم أساسها هم إجراء الصلح  بالشروط والأوضاع التي بينتها التعليمات،  وتقضي وفقاً لقواعد الإنصاف  والعدالة الطبيعية، مع مراعاة العرف الجاري  والعوائد المحلية المبنية على  أساس صحيح؛ بشرط عدم مخالفة قواعد العدالة  والإنصاف، أما في فلسطين فإن  القواعد العرفية متجذرة، فبالرغم من التطور  والتغير الذي طرأ على الظروف  الإجتماعية، والسياسة وحتى الثقافية إلا أن  التواصل بين الجيل الجديد،  والجيل القديم ما زال موجوداً ومستمراً، فآباؤنا  وأجدادنا مازالوا يحظون  بكثير من الإحترام والتقدير رغم وجود القوانين  والأنظمة والمحاكم، فضلاً  عن وجود االسلطة التشريعية ممثلة بالبرلمان، هذا  وقد مر القضاء العشائري  في فلسطين بعدة مراحل ففي العهد العثماني: تم تشكيل  محكمة عشائرية، ومجلس  عشائري، يضم فريقاً من الموظفين الإدارين، والمشايخ  بهدف مساعدة الدولة في  فرض هيبتها وتوفير الإستقرار، أما في عهد الإنتداب  البريطاني: تم تشكيل  مجلس الدموم، عام 1919 في مدينة بئر السبع، وذلك لحل  القضايا المستعصية،  وصدر قرار بتشكيل محاكم العرف والعادة وقضاتها، وتم  تشكيل لجنة لهذا  الغرض، وفي عام 1948 تم تشكيل لجنة إصلاح لحفظ سلامة مدينة  نابلس وقراها  في حالة حدوث أية خلافات، أما في العهد الاردني: تم توسيع  لجان الإصلاح  لتعالج قضايا الدم، وقضايا العرض، وقضايا الارض، كل حسب  خبرته، وانطبق هذا  الأمر على قطاع غزة أيضاً أبان العهد المصري حيث كان  الوجهاء ورجال العرف  هم من يقومون بحل النزاعات والخلافات بين السكان، أما  في عهد الإحتلال  الإسرائيلي: تم تكريس عمل رجال الإصلاح وأصبحت له أهمية  قصوى في حياه  الناس، حيث كان المواطنون يقومون بحل خلافاتهم باللجوء إلى  رجال الإصلاح  والقضاء العرفيين، وظهر ذلك جلياً في عهد الإنتفاضة الأولى  حيث عقد، في  عام 1985 مؤتمر شمل رجال الإصلاح والشريعة؛ للتقريب مابين عمل  الإصلاح  وبين الشريعة الإسلامية التي هي الأساس في القضاء العشائري.


أما عهد السلطة الوطنية الفلسطينية: منذ تاريخ  14/9/1994 ومع قدوم السلطة  الوطنية الفلسطينية أعيد تشكيل إدارة شؤون  العشائر بمرسوم رئاسي، نشر في  مجلة الوقائع الفلسطينية الرسمية؛ حيث صدر  بتاريخ 9/11/1994 قراراً من  الرئيس الرمز ياسر عرفات، يقضى بإنشاء إدارة  شؤون العشائر، بحيث تكون تابعة  لمكتب الرئيس.


وبعد هذا السرد ما يجب أن يقال بأن الحلول  العشائرية سواء في فلسطين، أو في  محيطنا العربي، قد ألغى سندها القانوني،  ولكن لاأحد يستطيع أن ينكر وجود  لها بشكل أو آخر، يقوى أو يضعف بحسب تطور  مجتمع لآخر، أو تراخى أحكام  القضاء النظامي لسبب ما، وإن كان يجب الإحتكام  إلى القانون ومؤسسات الدولة  ممثلة بقضائها، ولكن الوقائع تؤكد أن هذا  الإلغاء نظري محض، فما زال هذه  القواعد العرفية سائداً لدى المجتمعات  العشائرية، بل أنه الوحيد القادر على  تحقيق الضبط الإجتماعي، وإعادة  التوازن الذي تخل به الجريمة، وإشاعة  السلام الإجتماعي لدى هذه الشريحة من  المجتمع. وهذا ما يؤكد الدور الفاعل  للقانون الجنائي العرفي في تحقيق  الضبط الإجتماعي، وذلك لإعتقاد أفراد  المجتمع البدوي بأن هذا القانون يعبر  عن عاداتهم وتقاليدهم وقيمهم التي  توارثوها بينهم عبر الأجيال المختلفة،  وكذلك كونه نابعاً من أحكام الشريعة  الإسلامية، وهذا ما يجعلهم أكثر  احتراماً لهذا القانون، وأن هذا القانون  قانون تعويضي مرن يقوم على فكرة  الرضائية، والتي تتخذ شكل تسوية المنازعات  بشكل ودي يحقق التراضي بين  المتخاصمين، ويعيد التوازن الذي اختل بسبب  الجريمة، وفي هذا يقول " Arthur  Philips": إن القانون العرفي بمنزلة حكم  بالإتفاق يميل لأن يعيد التوازن  الإجتماعي، ولاريب أنه ثمة علاقة تربط بين  الظروف الإيكولوجية (البيئية)  التي فرضتا طبيعة الحياة القبيلة، وبين الأسس  التي تقوم عليها القواعد  العرفية، حيث فرضت هذه العلاقة أسلوباً خاصا ً في  إدارة النزاعات التي  تنشأ في هذه المجتمعات، وبالرغم مما ينطوي عليه هذا  القانون في بعض جوانبه  من تعارض مع بعض المبادىء الدستورية كمبدأ الشرعية،  ومبدأ شخصية العقوبة،  إلا أن لهذا القانون جوانب إيجابية متعددة يمكن  للقانون الوضعي الإفادة  منها، ولا يستطيع أحد انكار أن رجال الإصلاح نجحوا  في كثير من الحالات في  انهاء الفتنة والتوتر بين اطراف النزاع بشكل إيجابي،  وانهاء كثير من  القضايا العالقة في أورقة المحاكم، ولكن يعاب على الحلول  العشائرية أن  مفهوم العرف الذي يعتمد عليه القضاء العشائري هو مفهوم نسبي  يتغير من زمان  إلى آخر، ومن منقطة إلى أخرى، وأن القوة التنفيذية للحكم  العرفي ترتبط  بقوة عشيرة المحكم، أو الجاني، أو المجني عليه، مما يجعله  نافذاً، أو  متأخراً في حالات أخرى، وأنها أصبحت تجارة رابحة لبعض الأطراف،  وعدم  حيادتهم، ودخول دخلاء تحت عباءة رجال الإصلاح، ولكن في نهاية الأمر أن  هذا  كله يمثل موروثاً ثقافياً يضرب بجذوره في تاريخنا.


والسؤال المركزي اليس بالإمكان ربط تلك المعالجة العشائرية التي تمثل موروثنا الثقافي بالمعالجة القانونية
عن طريق نظامنا القضائي؟ والإجابة بالتأكيد بالإيجاب وإن جاءت من  التشريعات  الغربية بإقرارها نظام الوساطة الجنائية؛ حيث بمقتضى هذا النظام  تحيل  النيابة العامة أو القضاء على حسب الأحوال القضية إلى وسيط سواء كان  فرداً  أو شخص معنوى كجمعيات مساعدة المجنى عليهم، برضاء اطراف الخصومة  الجنائية  المتهم والمجنى عليه، للوصول إلى حل رضائي للنزاع الجنائي، وهو  ما أقراه  المشرع الفرنسي بالقانون رقم 2-93 الصادر، في 4 يناير 1993 بشأن  الوساطة  الجنائية، هذا ويطبق المشرع الفرنسي الوساطة الجنائية في الجنح  بين افراد  العائلة أو الجيران وما تربطهم رابطة خاصة، وفي حالة نجاح  الوساطة بتعويض  المجنى عليه، أو إصلاح الضرر، أو إعتذار الجاني، وإنهاء  الإضطراب الذي  أحدثته الجريمة، وإخضاع الجان لتدابير علاجية وإصلاحية  وتقومية طبقاً  للمعاير الحديثة في إعطاء الدور الأكبر في اصلاح وإعادة  تأهيل الجاني  وعودته فرد صالح في المجتمع، طبقاً لمدرسة الدفاع الإجتماعي  الحديث، وبعدها  يقدم الوسيط تقرير بذلك إلى النيابة العامة التي تعلن حفظ  القضية، وهذا  وقد انتشر الوساطة الجنائية كنار في الهشيم في التشريعات  الأجنبية ففي  انجلترا كما بين فيها الوساطة منذ عام 1985 بعد استعراض  تجارب الوساطة في  الولايات المتحدة الأمريكية وأسباب نجاحها، وأخذت النمسا  بهذا النظام، منذ  سنة 1988، والمانيا التي طبقته، منذ سنة 1990، كما  أقرته أسبانيا في سنة  1992، وبلجيكا في سنة 1994، وقد عرفت أيضاً كل من  يوغسلافيا ورومانيا  وفلنلندا والصين نظام الوساطة الجنائية (مجالس  التراضي)، ففي يوغسلافيا  سابقاً يوجد مجلس للتصالح (الوساطة) في كل إقليم  ينظر المنازعات وتتألف هذه  المجالس من ممثلين ينتخبهم الشعب من أفراد لهم  سمعة اجتماعية طيبة، وكل  مجلس يتألف من ثلاثة من المحكمين الشعبين، وهؤلاء  ينتخبون رئيساً من بينهم،  وتتم الإجراءات أمام هذه المجالس شفاهية  ومباشرة، وتنظر المنازعة أمام  المجلس بناء على شكوى المجني عليه، وأذا فشل  المجلس في إجراء التسوية بين  المجني عليه والجاني فيمكن للمجني عليه أن  يتقدم بالشكوى إلى المحكمة  الجنائية، وذلك خلال ثلاثة أشهر، كما نص قانون  الإجراءات الذي بدأ العمل  به، في 1 من يوليه سنة 1985، وكذلك عرفت رومانيا  أيضاً الوساطة (مجالس  التراضي) وذلك بالقانون رقم 59، لسنة 1986، وتختص  بنظر المنازعات التي تحال  إليها من المحاكم، ولهذه المجالس سلطة توقيع  الغرامات، وفي الصين حيث تعد  من أوائل الدول التي أرست الرضائية كشكل  مشروع للتصرف في الجرائم، فمنذ  تأسيس جمهورية الصين الشعبية، في عام 1949،  بادرت العديد من المقاطعات  والأقاليم هناك بإصدار مراسيم لإنشاء أجهزة  الوساطة، وفي 25 فبراير 1954  أصبح لزاماً على الحكومة المركزية أن تؤيد  هذه المبادرات، وذلك بإصدار  القواعد العامة الخاصة بتنظيم لجان التفاوض،  ولكن السلطات الصينية في  الحقيقة أضفت ببساطة طابعاً شرعياً على ممارسة  قديمة جداً، ولجان الوساطة  عبارة عن مؤسسات غير رسمية شيدت على مبدأ  الإستقلال الشعبي، والذي بمقتضاه  ينظم الشعب بنفسه إدارة الحياة اليومية؛  بأن يحل بنفسه منازعاته الخاصة،  وقد بلغت نسبة لجان العدالة اليومية إلى  حد يوازي معدل نمو الشعب الصيني  بحيث إن جميع المدن الصينية تشتهر بوفرة  أجهزة التفاوض الخاصة بها وبكثرة  القضايا المنتهية، وكذلك نجد في الهند  شكلاً آخر من الوساطة حيث نجدها  إجبارية وليست اختيارياً قبل التوجه إلى  المحاكم، ونطاق تطبيقه واسع وإن  كان يختلف من ولاية إلى اخرى، وبذلك نلاحظ  مدى انتشار النظام وتطبيقه في  القانون المقارن.


وبذلك نجد أن نظام الوساطة الجنائية ماهي إلا  اسلوب قديم وإن كان تم تنظيمه  حديثاً من خلال النظام القضائي، وليس غريباً  عن المجتمعات العربية بل  هوأسلوب متجذر في الحضارة العربية، ولذا ادعوا  الى تبنى نظام الوساطة  الجنائية لإنسجامه مع موروثنا الثقافي، والإستعانة  برجال الإصلاح عن طريق  النيابة والقضاء في جرائم الأسرة والجيران والجرائم  الجنوحية بشكلاً عام،  وفي قضايا القتل بشكل خاص على أن يقتصر دورها في  هذه الحالة على تهدئة  الخواطر، على أن يتم تنظيمها بقانون، ولنا في  التشريعات الغربية سند في  التوفيق بين المؤسسة القضائية ودور المؤسسات  المجتمع المدني، حيث أن تحقيق  العدالة الجنائية ليست مسؤلية الدولة وحدها،  بل يجب اسهام المجتمع سواء  كانوا رجال اصلاح، أو مؤسسات المجتمع المدني،  أو حتى افراد في بلوغها، وهو  ما انتهجته السياسة الجنائية المعاصرة.