د. احمد براك - استاذ القانون الجنائي ورئيس هيئة مكافحة الفساد

يسعدني أن أرحب بكم في موقعي الشخصي، آملاً من الله تعالى أن يكون هذا الموقع مصدراً من مصادر الحصول على المعلومات القانونية من تشريعات فلسطينية وعربية، ورسائل ماجستير ودكتوراه، إضافة للمقالات العلمية في مختلف فروع القانون. وليكون أيضاً وسيلة للتواصل ما بيني وبين الباحثين والقانونيين، والذين أعدهم شركاء حقيقيين في عملية تعزيز الثقافة القانونية.

اشكالية دور النيابة العامة في الدعوى الدستورية في فلسطين

دكتور / أحمد براك
‎النائب العام المساعد‎

 


تعاظم دور النيابة العامة في المجتمع  الحديث تجاوزت فيه مجرد الوظيفة  التقليدية التي انيطت بها امام القضاء  الجنائي باعتبارها صاحبة الدعوى  العمومية ، والتي ينعقد لها وحدها  الاختصاص برفع الدعوى الجزائية ، فلا  يجوز لغيرها ان تباشرها الا في تلك  الاحوال التي ينص عليها القانون (المادة  الاولى من قانون الاجراءات  الجزائية الفلسطيني رقم 3 لسنة 2001) . وايضاً  ما عهد المشرع اليها من  اختصاصات محدودة بشان الدعادي المدنية امام القضاء  المدني او ما خولها بعض  الاختصاصات غير القضائية مما تنص عليه مواد قانون  السلطة القضائية رقم  (1) لسنة 2002 ، وقانون الاجراءات الجزائية ومثالها  الاشراف على مراكز  الاصلاح والتأهيل.
ولا مراء ان وجود النيابة العامة كنائب عن السلطة  الوطنية امام القضاء يعبر  عن أبهى صور احترام حقوق الانسان الفلسطيني اذ  يكشف عن خضوع السلطة  للقانون ونزولها منزلة الافراد سواء بسواء في  المنازعات القضائية وفي مركز  قانوني واحد يكشف في الوقت ذاته عن التزام  السلطة بصون كرامة المواطن وبث  روح الطمأنينة لديه عندما يجد الدولة بكل  ما لها من سلطان تنيب عنه النيابة  العامة المختصة لتمثيلها امام القضاء  خصماً شريفاً لا يبغى سوى تطبيق الحق  والعدل ودون مزايا بينه وبينها.  وبذلك تثبت السلطة الوطنية بتساويها مع  مواطنيها امام القضاء تفعيلها  لمبدأ سيادة الشعب المنصوص عليها في المادة  الثانية من القانون الاساسي  الفلسطيني لسنة 2003 وتعديلاته والتي يجرى نصها  على ان: " الشعب مصدر  السلطات ويمارسها عن طريق السلطات التشريعية  والتنفيذية والقضائية على  اساس  مبدأ الفصل بين السلطات على الوجه المبين  في هذا القانون الاساسي "
ولذا تظهر هذه الصورة الحرص على احترام سيادة القانون والخضوع للشرعية   والرقابة القضائية واحترام حقوق الانسان اذا اصبح حق التقاضي مكفولاً  لجميع  المواطنين بلا استثناءات او قيود وان صاحب الشأن لا يحول بينه وبين  اللجوء  للقضاء حائل ولا يمنعه مانع فالتقاضي طبقاً للمادة (30) من  القانون  الأساسي لسنة 2003 حق مصون ومكفول للناس كافة ولكل مواطن حق  الإلتجاء الى  قاضيه الطبيعي وتكفل السلطة تقريب جهات القضاء من المتقاضين  وسرعة الفصل في  القضايا وبذلك لا يقتصر حق التقاضي على المنازعات بين  الافراد بعضهم البعض  بل يشتمل على المنازعات بين الأفراد والجهات الإدارية  انطلاقاً من خضوع  السلطة الوطنية لسيادة القانون والرقابة القضائية ،  فتخضع أعمالها  التشريعية للرقابة الدستورية أمام المحكمة الدستورية العليا  التي ينظمها  القانون رقم 3 لسنة 2006 ، وان كانت المحكمة العليا تتولى  مؤقتاً كل المهام  المسندة للمحاكم الادارية والمحكمة الدستورية العليا ما  لم تكن داخلة في  اختصاص جهة قضائية أخرى وفقاً للقوانين النافذة (المادة  104 من القانون  الأساسي ) ، وتخضع اعمالها الادراية للرقابة امام محكمة  العدل العليا ، أما  اعمالها المادية لرقابة القضائية أمام المحاكم المدنية  طبقاً لأحكام قانون  السلطة القضائية رقم 1 لسنة 2002 والقوانين ذات  العلاقة .
وعودة ذي بدء حول اشكاليات دور النيابة العامة في الدعوى  الدستورية ، يتضح  من نص المادة (31) من قانون المحكمة الدستورية العليا  رقم 3 لسنة 2006  والتي يجري نصها : " لا يجوز مباشرة الإجراءات أمام  المحكمة الا بواسطة  ممثل عن هيئة قضايا الدولة ، او بواسطة محام لا تقل  خبرته بالمحاماة عن عشر  سنوات متصلة ، ويعين رئيس المحكمة محامياً للمدعى  الذي يثبت اعساره " .  وهذا يعني وبشكل لا لبس فيه وجود هيئة متخصصة  للترافع وتمثيل السلطة  الوطنية تسمى بهيئة قضايا الدولة كنائب عنها سواء  في القضايا الدستورية  المرفوعة سواء بصفتها كمدعى او مدعى عليه وليست  النيابة العامة بهيكليتها  المعروفة الآن . وبالرجوع الى تلك التسمية نجد  أنها مأخوذة حرفياً من  النظام المصري الوارد في قانون المحكمة الدستورية  العليا المصرية رقم 48  لسنة 1979 . وان كان دور هيئة قضايا الدولة في مصر  قد نظمها القانون رقم (  75) لسنة 1963 والمعدل بالقانون رقم 10 لسنة 1986  والتي نص في مادته الأولى  على أن هيئة قضايا الدولة هيئة قضائية مستقلة  تلحق بوزير العدل . وبالنظر  الى الخلفية التاريخية لتلك الهيئة تعتبر هيئة  قضايا الدولة المصرية أقدم  هيئة قضائية فتم انشائها منذ مائة وثلاثون  عاماً وقد برزت فكرة انشاء هيئة  قضايا الدولة في مصرعند التفكر في إنشاء  المحاكم المختلطة في ظل الامتيازات  الاجنبية للحفاظ على حقوق المصريين في  مواجهة الأجانب وبذلك فإن هيئة  قضايا الدولة في مصر هي احدى الهيئات  القضائية التي تسهم في سير العدالة  مثلها مثل الهيئات القضائية الأخرى  كالمحكمة الدستورية العليا والقضاء  النظامي والنيابة العامة ومجلس الدولة  وهيئة النيابة الادارية . وقد حدد  الدستور المصري في المادة 173 منه على  ان :" يقوم على شؤون الهيئات القضايا  مجلس اعلى يرأسه رئيس الجمهورية ،  ويحدد القانون طريقة تشكيله واختصاصاته  وقواعد سير العمل فيه ، ويؤخذ رأيه  في مشروعات القوانين التي تنظم شؤون  الهيئات القضائية ". وطبقا لقرار  رئيس الجمهورية بالقانون رقم 82 لسنة 1969  يضم المجلس الأعلى للهيئات  القضائية في عضويته رئيس المحكمة الدستورية  العليا ، ورئيس محكمة النقض ،  ورئيس مجلس الدولة ، ورئيس هيئة قضايا الدولة  ، ورئيس هيئة النيابة  الادراية .
ان تلك الاطلالة التاريخية المذكورة انفا هاما لتوضيح مدى  اهمية اشكالية  دور النيابة العامة في فلسطين لدى المحكمة الدستورية العليا  ، حيث يثبت  الواقع العملي وما يجري العمل عليه الان ان النيابة العامة هي  من تمثل  السلطة الوطنية لكافة سلطاتها الثلاثة التنفيذية والتشريعية  والقضائية لدى  المحكمة الدستورية ، بل ان من يتناول بالدراسة والتحليل  قانون المحكمة  الدستورية العليا الفلسطينية سواء اكان من المحليين أو  غيرهم لم يتطرق لدور  النيابة لدى المحكمة الدستورية العليا أو حتى  المناداة بوجود الهيئة  المنصوص عليها قانوناً في قانون المحكمة الدستورية  العليا في المادة (31) :  " هيئة قضايا الدولة " والمبادرة في اعداد قانون  لها أو مناقشة اهمية  دورها وفقاً لمبدأ الشرعية ، بل ان دور تلك الهيئة  يتعاظم في دور اغفال  المشرع الفلسطيني النص على هيئة المفوضيين المختصة  قانوناً بتحضير القضية  لهيئة المحكمة الدستورية وعليه فإنني سأبحث تلك  الاشكاليات في البنود  التالية على الوجه التالي :-
أولا : - انه لا  مراء ان النيابة العامة تستطيع ووفقاً للمواد 27 و28 و29  و30 من قانون  المحكمةالدستورية العليا الفلسطيني ان ترفع دعوى تنازع  الاختصاص الوظيفي  أو دعوى تنفيذ حكمين متعارضين او دعوى دستورية أو حتى  دعوى تفسير وذلك  لاطلاق عبارات الواردة في المواد المذكورة أعلاه ومثالها  الشخص المتضرر او  اذا دفع الخصوم اثناء نظر دعوى امام احدى المحاكم أو لكل  ذي شأن أن يطلب  الى المحكمة تعيين جهة القضاء المختصة أو يقدم طلب التفسير  من وزير العدل  بناء على طلب ... ممن انتهكت حقوقه الدستورية . وذلك وفقاً  لصريح عبارات  الواردة في النصوص المشار اليها اعلاه ، وهذا وبلا شك يتعارض  مع كونها  نائب عن الدولة بسلطاتها الثلاثة في الدعوى المنظورة امام المحكمة   الدستورية تعارضاً حقيقياً وليس ظاهرياًوان كان يخفف من وطء ذلك صفتها   كخصم وليس كحكم وفي هذا المقام لا يسعنا الا تذكر ما قضت به المحكمة   الدستورية العليا المصرية الصادر في 6 من فبراير سنة 1993 في القضية رقم  13  لسنة 14 قضائية " تنازع" المنشورة في مجموعة أحكام المحكمة الدستورية   العليا ، الجزء الخامس ، المجلد الثاني ، ص475 قاعدة رقم 8 ، وكذلك ما قضت   به في نفس المعنى الحكم الصادر في 7 سبتمبر سنة 1996 في القضية رقم 2  لسنة  18 قضائية " تنازع " المنشور في المجلد الثامن من مجموعة احكام  المحكمة  الدستورية العليا ، صفحة 1452 قاعدة رقم 3 . حيث قضت بعدم قبول  دعوى تنازع  الاختصاص المحالة اليها من المحامي العام لنيابة اسيوط الكلية  لعدم اتباعها  الاسلوب المبين في القانون من وجوب ان تلجأ الى هيئة قضايا  الدولة في هذا  الشأن لتتولى هي رفع هذه الدعوى شريطة ان تكون من عضو قضايا  الدولة بدرجة  مستشار على الاقل" . ولذا يثبت مدى تعارض الحال الواقع الأن  وبل المستقبلي  ان لم نسارع بوضع قانون هيئة قضايا الدولة .
ثانياً:-  ان النيابة العامة تستطيع ان تدفع اثناء نظر الدعوى امام المحاكم   المختلفة ان تدفع بعدم دستورية نص في قانون او لائحة لكونها خصم شريف في   الدعوى يبغى العدالة وتطبيق صحيح للقانون ، وفقاً لاحكام المتعددة الصادرة   من محكمة النقض المصرية ( ينظر على سبيل المثال نقض 24 / 3/ 1975 مجموعة   احكام النقض س 26 ص 258 رقم 60) فقد سار قضاء هذه المحكمة على ان التزامها   بسلامة احكامها يقتضيها الامتناع عن تطبيق قانون قدرت هي مخالفته للدستور   لانه لا يمكن ان يفرض على قاض الحكم بقانون يعتقد هو عدم مشروعيته ، والا   فسد النظام القانوني كله . وامتناع قاض الموضوع عن تطبيق النص القانوني   المخالف للدستور ، ليس فيه اي افتئات على اختصاص المحكمة الدستورية العليا   طالما ان رقابة هذه المحكمة الاخيرة منوطه باصدار  حكم بعدم دستورية النص   المطعون عليه وما يترتب على ذلك من الغاء هذا النص فهي رقابة الغاء في   الأصل ، اما رقابة قاض الموضوع فهي رقابة امتناع عن التطبيق فقط والقضية   التي فصل فيها وحدها وليس فيه اي الزام لأي محكمة اخرى وهذا النظر اتفق   عليه جمع من الفقهاء لاتفاقه مع مبدأ الشرعية ومبدأ سرعة الفصل في القضايا.
وبالرغم من وجاهة هذا الرأي الا أن الخوف يمكن في تضارب احكام النقض   والدستورية ومثالها الحي تضارب ذلك حول موضوع "خلو الرجل" وذلك في حكم   الهيئة العامة للمواد الجنائية خلو الرجل جريمة والمواد المجرمة لفعله لم   تحكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريتها ( النقض : الدائرة الجنائية  :  القانون رقم 4 لسنة 1996 لا تمتد نصوصه الى المواد المجرمة لجريمة خلو   الرجل في القوانين رقم 49 لسنة 1977و  136 لسنة 1981). وحكم الدستورية :   حكمها بتاريخ 22 فبراير سنة 1997 وحكمها بتاريخ 3 اكتوبر سنة 1998 وان   احكامها تتمتع بالحجية المطلقة بما يلزم كل سلطة في الدولة بما فيها  الجهات  القضائية بإحترام قضائها . ولا شك ان ذلك بسبب لعدم الزامية النص  من أن  الجهة الوحيدة في البحث في الدستورية هي للمحكمة الدستورية دون  غيرها.
ثالثاً : ونأتي الآن الى تشكيل المحكمة الدستورية: فمن المعلوم  بان المشروع  المقدم للمجلس التشريعي الفلسطيني كان ينص ان من ضمن فئات  الجائز تعيينها  في تشكيل المحكمة الدستورية اعضاء النيابة العامة ولكن  وبناء على اقترح من   استاذ القانون الدستوري في غزة فتحي الوحيدي وقع ظلم  جائر على أعضاء  النيابة العامة باستثناءهم بالقراءة الاولى في المجلس  التشريعي من ضمن  الأعضاء الجائز تعينهم بالرغم من انه في نظام المحكمة  الدستورية المصرية  جواز ذلك شريط ان يكون عضو النيابة العامة بدرجة مستشار  ، وبمقارنة ذلك  ما  نصت عليه المادة (4) من قانون المحكمة الدستورية  العليا الفلسطيني نجدها  نصت على ان يكون مقبولاً أن يكون عضواً المحامي  المزاول  بصفة مستمرة لمدة  15 عاماً !!! وبمقارنة ذلك في مصر نجد ان  المحامي المقبول للتعيين لدى  المحاكم لدى المحكمة الدستورية لا تقل خبرته  عن 27 عاما !! ولا شك ان  استثناء اعضاء النيابة العامة في تشكيل اعضاء  المحكمة الدستورية يمثل اتجاه  غير محمود فكيف يستقيم ذلك مع ما ورد في نص  المادة 244 من قانون الاجراءات  الجزائية رقم 3 لسنة 2001 التي حددت المدة  المقبولة للترافع امام محاكم  البداية للدفاع عن المتهم بمدة لا تقل عن  سنتين لقضاة وأعضاء النيابة  العامةالسابقين ، اما المحامين فمدته خمس  سنوات والنيابة العامة تقوم  بوظيفة قضائية وفقاً لما قررته محكمة النقض و  الدستورية المصرية .
رابعاً: - يجب الا نلهث وراء تقليد التشريعات  المقارنة واخص بالذكر النص  على" هيئة قضايا الدولة " ففي مصر الان يتم  المناداة بتغيير المسمى  والاختصاصات الى "هيئة النيابة المدنية" وان يكون لها الاستقلال  الكامل عن  وزير العدل تم وضع مشروع قانون بذلك الان وسلم لوزير العدل  المصري الحالي  المستشار محمد الجنيدي.  والسؤال الاهم في هذا المقام ما هو  النظام الافضل  لفلسطين ارساء تعدد النظام القضائي أم ضم الهيئات القضائية  وارساء وحدة  النظام القضائي.
وصفوة القول :- وبعد تناول تلك  الاشكاليات لدور النيابة العامة في الدعوى  الدستورية ، نرى ضرورة الاسراع  في وضع تصور لدور النيابة المدنية لها  ذاتيها واستقلالها لتولي وظيفة  تمثيل السلطة الوطنية سواء لدى المحكمة  الدستورية ، او المحاكم النظامية ،  او المحاكم الادارية وضع قانون خاص لها  يتماثل مع هذه الرؤية، والنموذج  القانوني العربي الاسترشادي لهيئة وادارة  قضايا الدولة .